التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين يخاف الإنسان من الوحدة.. من الثالوث الصيني إلى الإخوان المسلمين





 أحياناً يبدو العالم واسعاً جداً، إلى حدٍّ يجعل الإنسان يشعر أنه صغير لدرجة غير محتملة. مدن ضخمة، شوارع لا تحفظ الوجوه، دول تتكلم مع شعوبها بصوتٍ عالٍ ولكنها لا تسمع أحداً. وسط هذا الضجيج، يحاول الناس أن يجدوا مكاناً صغيراً يشعرون فيه أنهم مرئيون، أن أحداً يعرف أسماءهم، أن حياتهم ليست مرورة عابرة في زحام بلا ذاكرة.

من هنا، من هذه الحاجة العميقة إلى الدفء، تولد الجماعات، سواء كانت عصابات في أقصى الشرق أو تنظيمات دينية وسياسية في شرقه الأدنى.

تختلف الأسماء والرايات واللغات، لكن الشعور واحد: لا أحد يريد أن يعيش وحيداً. تخيّل شاباً صينياً جاء من قرية بعيدة إلى مدينة لا تنام. يعمل لساعات طويلة، يعود إلى غرفة صغيرة لا يتحدث فيها مع أحد.

كل شيء يتحرك بسرعة أكبر من قدرته على الفهم. يكتشف فجأة أن هناك مجموعة تقول له: تعال، أنت واحد منا. نعرف اسمك، نقسم معك الخبز والخطر، نضع وشماً على جسدك فلا تعود مجهولاً. هكذا وُلدت عصابات الثالوث في عمق الحياة الصينية الحديثة: ليست فقط جريمة، بل محاولة بدائية للبحث عن معنى، عن أخوّة، عن سند في عالمٍ صلب لا يرحم الضعفاء. الجريمة تأتي لاحقاً؛ أما البداية فهي شعور الإنسان بأنه مهمل على حافة المجتمع.

وفي مكانٍ آخر، بعيد وقريب في الوقت نفسه، هناك شاب عربي يقف في مدينة مثقلة بالتاريخ. يرى وطنه متعباً، يرى الفقر والظلم، يرى الدين حاضراً في القلوب لكنه غائباً في إدارة الحياة.

يسمع خطاباً يقول له يمكن أن نعيد للعالم توازنه. يمكن أن تكون جزءاً من رسالة ، لا مجرد فرد ضائع في الشارع. يدخل التنظيم وهو لا يبحث عن سياسة فقط، بل عن بيت. يريد أن يشعر أن حياته مرتبطة بفكرة كبيرة، أن ما يفعله له قيمة، أن ألمه ليس بلا معنى. وهكذا نشأ الإخوان المسلمون بالنسبة لكثيرين: كجيب دافئ داخل واقع بارد، بصرف النظر عن مسار التجربة لاحقاً.

ما يجمع التجربتين ليس الحكم الأخلاقي ولا تشابه الشكل، بل شيء أكثر بساطة وإنسانية: الحاجة لأن يُحَب الإنسان. الحاجة لأن يشعر أن وجوده لا يضيع في الهواء. الدولة الحديثة، ببيروقراطيتها وشعاراتها الكبيرة، قد تمنح الأوراق الرسمية، لكنها كثيراً لا تعطي الشعور بالاحتضان. الإنسان يريد من يقول له ببساطة: نراك . عصابة تقولها بطريقة خشنة، تنظيم يقولها بطريقة روحية، لكن الجملة واحدة في العمق.

المدن الكبيرة قاسية. أنت تعمل، تتحرك، تتزاحم، ولا أحد يعرف حكايتك. لهذا تصبح الجماعة وعداً خفياً بالخلاص من الوحدة. فيها أخوة، أكتاف، كلمات مشتركة، شعور بأنك لست قطعة مكررة في آلة ضخمة. الثمن قد يكون غالياً: أن تتنازل عن حريتك، عن شكّك، عن أسئلتك. لكن مقابل هذا الثمن تحصل على شعور ثمين جداً: الأمان العاطفي.

وهذا ما لا يريد كثيرون الاعتراف به؛ أن الانضمام لا يكون دائماً بدافع فكر كبير، بل بدافع قلب متعب. نحن نحب أن نرى أنفسنا عقلانيين، نحكم على الناس من بعيد، نقول: هؤلاء مجرمون، وهؤلاء متطرفون، وهؤلاء مخطئون. لكن لو اقتربنا أكثر، لو جلسنا مع كل واحد منهم على الطاولة نفسها، واستمعت لقصته بصدق، ربما سنكتشف أسباباً بشرية مؤلمة: فقر، هجرة، شعور بالإهانة، فراغ داخلي، فقدان شخص عزيز، دولة لا تحمي ولا تسمع، مدينة تبتلع الناس ولا ترد أسماءهم.

ليس المقصود هنا تبرير أي فعل، بل محاولة أن نفهم من أين تأتي الرغبة في الانتماء حتى وإن كان طريقها معوجاً. في الثالوث الصيني يوجد دائماً حكي عن الشرف والوفاء. في الإخوان يوجد حديث عن الدين والأخلاق والعدل. الكلمات تختلف، لكنها تلمس الجرح نفسه: الحياة بلا معنى لا تطاق.

الإنسان لا يريد فقط أن يأكل ويشرب ويعمل؛ يريد قصة يعيش داخلها. يريد أن يشعر أن الله يراه، أو أن إخوته يحمونه، أو أن دمه لن يضيع سدىً إذا رحل. لهذا تبدو هذه الجماعات قوية وجذابة: لأنها تقدم قصة كاملة لحياةٍ ناقصة.

ومع ذلك، فإن داخل هذه القصص خطر كبير. حين تصبح الجماعة أهم من الإنسان، حين يتحول الفرد إلى ترس صغير في آلة كبيرة، يبدأ القبح. من هنا يولد العنف، يولد القمع الداخلي والخارجي، يولد الغلوّ. الإنسان الذي دخل الجماعة خوفاً من الوحدة يجد نفسه أحياناً وقد فقد نفسه تماماً. لم يعد يسأل، لم يعد يشك، لم يعد يسمع صوته الداخلي.

صارت الجماعة هي التي تفكر عنه، تعاقب عنه، وتغضب عنه. هنا يتحول الدفء الأول إلى نار تحرق ما حولها.

ومع هذا كله، تبقى الحقيقة الإنسانية الأعمق قائمة: لا أحد يختار وحدته طوعاً. من يسير في طريق الجماعات المغلقة أو العصابات أو التنظيمات الصارمة، ليس دائماً وحشاً ولا ملاكاً، بل إنسان تعب من الوقوف وحده. ربما كان يحتاج دولة عادلة فلم يجدها. أو كان يريد عائلة فلم يجد سوى مجموعة تحمل اسماً آخر. أو كان يحلم أن يكون له وزن في العالم فلم يجد غير الجموع المغلقة التي تقول له أنت مهم عندنا .

الشرق الأقصى والشرق الأدنى يشبهان بعضهما أكثر مما نتصور. بينهما بحار وجبال ولغات وديانات، لكن البشر في كل مكان يسألون السؤال نفسه: من أنا في هذا الكون ال واسع؟ وماذا أفعل بكل هذا الخوف؟

لا أحد يريد أن يشعر أنه زائد عن الحاجة. لا أحد يريد أن يغادر الدنيا دون أن يترك أثراً صغيراً. الجماعات تقدم هذا الوعد: أنك لست شخصاً عادياً، أنك جزء من حكاية كبيرة. هذا الوعد جميل ومخيف في آن واحد.

ربما الحل ليس في كسر الجماعات ولا في تمجيدها، بل في أن تتعلم الدول والمجتمعات أن تكون أكثر إنسانية. أن ترى مواطنيها حقاً، لا مجرد أرقام في ملفات. أن تمنح العدالة قبل الشعارات، والكرامة قبل الخطب. فالإنسان إذا شعر أنه محترم وأن صوته مسموع، لن يحتاج إلى أن يخبئ نفسه في جماعة ضيقة أو عصابة سرية أو تنظيم مغلق. سيكتفي بعلاقاته الطبيعية، بأسرته الصغيرة، بأصدقائه، بوطنٍ لا يخاف منه.

والسؤال الأخير يبقى شخصياً جداً، يهم كل واحد منا قبل أن يهم العالم كله: ماذا نفعل نحن إذا شعرنا يوماً أننا غير مرئيين؟ هل نتمسك بأنفسنا رغم الوحدة، أم نركض بسرعة نحو أول يد تمتد إلينا حتى لو قادتنا إلى طريق مظلم؟ هذا سؤال لا يجيب عنه علم الاجتماع ولا الفلسفة، بل القلب. وكل واحد فينا يعرف أن الداخل أحياناً يكون هشاً أكثر بكثير مما يظهر من الخارج.

في النهاية، ليست الحكاية حكاية الثالوث ولا حكاية الإخوان فقط. إنها حكاية الإنسان حين يخاف أن يعيش وحده. إنه يحاول أن يبني بيتاً بأي شكل: بيتاً من القانون أو من الدين أو من الأسطورة أو حتى من الجريمة. قد نغضب منه، قد نحاكمه، لكن لا نستطيع أن يبني بيتاً بأي شكل: بيتاً من القانون أو من الدين أو من الأسطورة أو حتى من الجريمة. قد نغضب منه، قد نحاكمه، لكن لا نستطيع أن ننكر أننا نشبهه أكثر مما نحب أن نعترف.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشتاء في إسطنبول… وحدةٌ وسُخرية تحت سماء كئيبة

السادية السياسية في عهد السيسي.. القمع باسم الله

فرنسيس.. البابا الذي خرج عن النص