الرمال المتحركة تعيد تشكيل شبه الجزيرة العربية مع دخول اليمن مرحلة جديدة
غالبًا ما تتغير ديناميكيات القوى في شبه الجزيرة العربية تدريجيًا وبعيدًا عن أنظار الجمهور، حتى تتراكم تلك التحولات وتُنتج في نهاية المطاف تغييرًا واضحًا في المشهد الاستراتيجي.
تمامًا كما تتحرك الكثبان باستمرار، ما يبدو ساكنًا يُعاد تشكيله تدريجيًا بفعل الريح، حبة تلو الأخرى.
لسنوات، تم تأطير الحرب في اليمن كمعادلة ثابتة إلى حد كبير: صراع بالوكالة مترسّخ في فتور، وطوارئ إنسانية تفاقمت بتدخّل خارجي، وجغرافيا وطنية ممزقة بأجندات إقليمية متداخلة.
لكن بنهاية عام 2025، تشكّل تحول هيكلي. لم يكن عاصفة قادمة من الغرب ولا همسة من عواصم بعيدة، بل عاصفة إقليمية صُنعت في مختبرات استراتيجية في الرياض وعُزّزت بالقدرات الصناعية لأنقرة. لم يُقلَب الطاولة الجيوسياسية فحسب؛ بل أُعيد بناؤها.
إعلان العزم السيادي
استيقظت المكلا — المركز الاستراتيجي على ساحل حضرموت — على صوت يشير إلى تغيير حاسم في النظام الإقليمي. لم يكن إيقاع بحر العرب، بل التأثير الدقيق لضربة عسكرية مستهدفة.
في ميناء المدينة، بُطِلت شحنة تحتوي على أنظمة اتصالات متقدمة، ومكوّنات للطائرات المسيّرة المتخصّصة، ومعدات لوجستية مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي (STC).
كان من المقرّر أن تُستخدم هذه الشحنة لتعزيز سيطرة غير دولة على بوابات اليمن الشرقية. وقد شكّلت العملية التي قامت بها القوات الجوية الملكية السعودية رسالة واضحة عن نية سيادية.
ومع تصاعد الدخان فوق الأرصفة، انتهت عمليا حقبة “الغموض الاستراتيجي” التي سمحت لشركاء التحالف أن يتصرّفوا كخصوم بحكم الواقع. وقد أشارت الرياض إلى أن الاستقرار الإقليمي لن يُبنى بعد الآن على التنازلات للمليشيات الانفصالية.
“عاصفة القرارات” وتوحيد المؤسسات
في الرياض، تحول المزاج السياسي نحو الحسم المدروس.
قدم وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، الرؤية القائلة إن اليمن الموحد والسيادي أمر لا غنى عنه لأمن المملكة القومي، وصوّر رشاد العليمي، رئيس المجلس الرئاسي (PLC)، كأداة رئيسية في تلك السياسة.
مدعومًا بثقل السعودية الدبلوماسي والعسكري، شرع العليمي في ترسيخ السلطة، مُوصِفًا الخطوات التي اتخذها بأنها “عاصفة من القرارات”، والتي شملت إعلان حالة الطوارئ لمدة 90 يومًا، وإلغاء الاتفاقيات الموازية، وتقديم إنذار بدمج الميليشيات ضمن هياكل الدولة.
إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية
تشبه خريطة اليمن الحالية مرآة مشروخة تعكس مصالح متنافسة.
في الشمال، تسيطر الحوثيون على المرتفعات والنواة الديموغرافية للبلاد.
في الجنوب والشرق، سعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إحياء مشروع دولة ما بعد الاستعمار، مع عدن كعاصمة مؤقتة.
لكن تقدّم المجلس في حضرموت ومهرة أثبت أنه تجاوز استراتيجي. فحضر موت يمثل رئة اليمن الاقتصادية، بينما تشكّل مهرة الممر الحاسم لنفَق سعودي محتمل إلى بحر العرب، طريق يتجاوز مضيق هرمز المتقلب بشكل متزايد.
خلصت السعودية إلى أن المعسكر المنقسم لا يستطيع الصمود في وجه ضغط الحوثيين. لذلك، تحوّل توحيد الجبهة المناهضة للحوثيين من توصية إلى ضرورة إقليمية.
تركيا كشريك استراتيجي
سعيًا إلى شريك لتحقيق هذا التعديل الاستراتيجي، توجهت القيادة السعودية إلى تركيا. لقد تحوّلت العلاقات بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان من التهدئة الحذرة إلى شراكة استراتيجية علنية.
كانت التكنولوجيا الدفاعية التركية، خصوصًا الطائرة دون طيار Baykar Akinci، محفّزًا في هذا التحالف. هذه “الطيور الفولاذية” وفّرت قدرات مراقبة على ارتفاعات عالية وضربات بعيدة المدى، مما منح الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية الاستقلالية التكنولوجية الأكبر.
يروّج المحور السعودي التركي لـ “طريق ثالث” يركّز على بناء الدولة، والأمن البحري في البحر الأحمر، وعقيدة الاستقرار الإقليمي الأوسع المعروفة بـ “الوطن الأزرق”.
السيادة الاقتصادية لحضرموت
الصراع على حضرموت ومهرة هو في جوهره صراع على مستقبل النظام العالمي للطاقة. تتطلب رؤية السعودية 2030 تقليل الاعتماد على معبر هرمز الحيوي.
من خلال إعادة تأكيد النفوذ في مناطق اليمن الشرقية، تسعى الرياض إلى تعزيز السيادة الاقتصادية وتفكيك “بوابات الرسوم” التي أقامتها الوكلاء المحليون.
بالنسبة للتحالفات القبلية في حضرموت، كان العرض صريحاً: الاستقرار والبنية التحتية مقابل التخلي عن المشاريع الانفصالية.
نظام مُعاد بناؤه
تميّزت “عاصفة التطهير” داخل مؤسسات المجلس الرئاسي بنهاية الولاءات المزدوجة التي ترعاها أطراف خارجية. قُدِّمت قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي أمام خيار ثنائي: الاندماج المهني في الجيش الوطني أو الاندثار.
يظهر شرق أوسط جديد يتشكل، ليس عبر نماذج مفروضة من الخارج، بل عبر التعاون بين دول قوية وسيادية.
توفّر السعودية العمق الاستراتيجي والموارد الاقتصادية، بينما تقدّم تركيا العقيدة العسكرية والقدرات الصناعية. معًا، يتخذان موقعًا كحُماة للنظام، في مواجهة كل من التوسع الموجّه من طهران والقوى الانفصالية المُفكِّكة.
فجر تقرير المصير
بينما تشرق الشمس على ربع الخالي، تشرق على يمن لا يزال مُشوّهًا لكنه الآن يُوجَّه برؤية استراتيجية موحّدة. لقد تراجع جدول مليء بالمشاريع الصغرى المتصارعة، لتحلّ محله خريطة طريق لدولة موحّدة، وممر بحري آمن، وشبكة طاقة قادرة على تشغيل القرن القادم.
الرسالة للمجتمع الدولي واضحة: الشرق الأوسط لم يعد ساحة تجارب خارجية. إنه الآن ملك لشعوبه ولحُماة نظامه. لقد تحوّلت الكثبان، وتحتها تُمدَّ أسس نظام إقليمي جديد قائم على تقرير المصير.
لينك المقال المنشور بـ (Türkiye Today)
تعليقات
إرسال تعليق