المشاركات

الدم لا حكمة فيه.. حين تتعدد وجوه القاتل باسم الله والمقاومة والسيادة

صورة
 كوني صحفيًا أعمل بشكل يومي أمام الشاشات التي لا تنام، وأشاهد لحظة بلحظة صور القصف، صراخ الأمهات، أنقاض البيوت، رؤوس الأطفال المقطوعة بلا مقدمات، أجد نفسي كل مساء أطرح السؤال ذاته كل يوم هل حقًا هناك حكمة عليا تتطلّب هذا القدر من الدم؟ هل مات هؤلاء لأن الله أراد لنا أن نفهم؟ هل الطفل الذي قُتل تحت الركام كان يجب أن يموت كي “نصبر”؟ هل على الجسد أن يتمزق كي تصحو الروح؟ أي منطق هذا؟ وأي إيمان يُطلب منك أن تصدق أن الله في صف الانفجار لا في صف الحياة؟ ‏كل من يقول لي إن “هذا ابتلاء”، أو “الشهداء اختارهم الله”، أو “النصر قادم لأننا صبرنا على الدم”، لا يعرف الله ولا الضحية.  ‏من قال إن الله يحتاج إلى مجزرة كي يسمع صوته؟ من قال إن الجنة لا تكتمل إلا بجثث الأبرياء؟ من قال إن أمًّا تصرخ فوق طفلها وتقول “بلغت الجنة باكرًا”هي مشهد روحاني؟ هذه ليست عزاء، هذه خيانة مزدوجة: خيانة للضحية، وخيانة لله. ‏من داخل عملي الصحفي، وأنا  أحذف صورًا لا يمكن بثها، وأعيد صياغة العبارات حتى لا “تُجرح مشاعر المشاهد”، أدركت أن إعادة تدوير الخطاب الديني لتجميل القتل، أو السكوت عنه، ليست إيمانًا بل تواطؤ ل...

Francis: The Pope Who Broke the Script

صورة
  In a world growing harsher by the day, where the voices of hatred, fanaticism, and blind authority grow louder, the death of Pope Francis feels like saying goodbye to a kind man in a time that shows no mercy to kindness. The Catholic Church, led by the Vatican, is one of the oldest power structures in the world—and among the most closed and conservative. A state no bigger than a small neighborhood, yet armed with symbolism, authority, and gold that make it feel like a hereditary religious empire. A visit to the Vatican Museums reveals a legacy built on centuries of looting and exploitation in the name of faith, with a clerical elite that resembles ruling aristocracies far more than it does humble monks. In that context, the selection of Pope Francis in 2013 felt like an attempt to present a new face—one relatively different—to a world teeming with protest and rebellion. A man from Latin America, of modest origins, with a human tone and features that felt close to the people. The ...

فرنسيس.. البابا الذي خرج عن النص

صورة
  في عالم يزداد قسوة، وتعلو فيه أصوات الكراهية والتعصب والسلطة العمياء، يبدو موت البابا فرنسيس أشبه بوداعٍ لرجل طيب في زمن لا يرحم الطيبين. المؤسسة الكنسية الكاثوليكية، التي يقف على رأسها الفاتيكان، تُعد من أقدم مؤسسات السلطة في العالم، وأكثرها انغلاقًا ومحافظة. دولة بحجم حي صغير، لكنها تملك من الرمزية والسلطة والذهب ما يجعلها أشبه بإمبراطورية دينية متوارثة. من يزور متاحف الفاتيكان يرى بعينه كيف تأسست هذه المؤسسة على تاريخ طويل من النهب باسم الإيمان، واحتكار “القداسة” و”الحقيقة”، مع طبقة كهنوتية تشبه الأرستقراطيات الحاكمة أكثر مما تشبه الرهبان الفقراء. في هذا السياق، بدا اختيار البابا فرنسيس، في 2013، كأنه محاولة لتقديم وجه جديد، مختلف نسبيًا، لزمنٍ كان يموج بحركات احتجاج وتمرد من كل الجهات. رجل من أمريكا اللاتينية، بأصول متواضعة، نبرة خطاب إنسانية، وملامح قريبة من الناس. كان العالم وقتها لا يزال تحت تأثير موجات التغيير الكبرى: من الربيع العربي، إلى احتلال وول ستريت، وحركات الطلاب في تشيلي وإسبانيا والبرازيل. بدا أن الكنيسة اختارت، ولو من باب العلاقات العامة، بابا يواكب اللحظة....

السادية السياسية في عهد السيسي.. القمع باسم الله

صورة
في هذا العالم العربي الممزق، وفي قلبه مصر تحديدًا، لا يبدو الظلم حدثًا طارئًا أو استثناءً، بل صار نمطًا وجوديًا جزءًا من تعريف الحياة اليومية. صار المواطن المصري والعربي  أشبه بكائن خُلِق ليُعذّب، ليُهان، ليُكسر نفسيًا ومعنويًا، ثم يُطلب منه أن يصبر ويحمد الله على ما هو فيه. في هذه الحالة، تزداد سادية الحكام بشكل معيب، إذ أنهم لا يمارسون القمع فقط، بل يجدون لذة فيه، لا يكتفون بأن يُطاعوا بل يسعون لأن يُعبدوا. ولا يقتصر الأمر على السلطة السياسية وحدها بل يتداخل معها خطاب ديني يعزز هذا الاستبداد ويُغطّيه. ربما كان ماركيز دو ساد هو الأكثر دقة حين قال: "اللذة الحقيقية لا تأتي من المتعة بل من امتلاك الآخر تحت الألم"، فقد تجسدت هذه المقولة في الواقع المصري، حيث بات المواطن لا يعاني فحسب بل يُعذّب تحت ظل سلطة لا ترى في معاناته أكثر من وسيلة لتثبيت حكمها. الطغاة، كما أشار الفيلسوف لوكريتيوس في "في طبيعة الأشياء"، يظلون في السلطة لأنهم يلتقون مع تلك القوى التي تجعل السماء صامتة أمام دماء الأبرياء. يقول لوكريتيوس: "لو كان الإله يسمع دعاء البشر، لكانت الأرض قد ابتلعت كل ا...

"لام شمسية".. في قلب الدراما والوجع قصة عن الجروح التي لا نريد أن نراها

صورة
منذ اللحظة الأولى التي طُرح فيها لام شمسية على شاشات التلفاز، كان السؤال يراودنا جميعًا: هل نحن مستعدون لمواجهة ما يعرضه هذا المسلسل؟ هل نحن على استعداد لنفتح الجروح التي طالما تجنبنا الحديث عنها؟ المسلسل لم يكن مجرد عمل درامي آخر. المسلسل دعوة جريئة للمواجهة، لفتح ملفات مؤلمة في المجتمع العربي  وتقديمها على الشاشة دون تزيين أو تبرير. "لام شمسية" يأتي ليكسر الصمت ويكشف ما تحت السطح، موضّحًا أن هناك أمورًا يجب أن تُقال، حتى وإن كان ذلك يعني مواجهة الحقيقة التي نخشى جميعًا أن نتطرق إليها. منذ اللحظة الأولي، الجدل قد بدأ موضوع التحرش الجنسي بالأطفال (Pedophilia)، الذي يرفض المجتمع العربي غالبًا حتى الاعتراف بوجوده، كان هو الميدان الذي اختار لام شمسية أن يخوضه الكثيرون خافوا من الخوض في مثل هذه القضايا، معتبرين أنها مواضيع "محرمة" دراميًا، وأن النقاش حولها قد يسبب ضجة لا نعرف كيف نواجهها إلا أن لام شمسية جاء ليغير هذه القناعة ويثبت أن الدراما ليست مجرد ترفيه، بل أداة حيوية للكشف عن الحقيقة. الرائعة أمينة خليل التي نعرفها بقدرتها على تقديم أدوار تحمل عمقًا إنسانيًا كبيرً...

رسالة صديق.. حقيبة صغيرة وذاكرة لا تُنسى

صورة
  كان لديّ درجٌ خاصّ بي أحتفظ فيه بأشيائي منذ طفولتي، الأشياء التي تحمل قيمةً لي، مثل رسم رسمته أو بطاقة إهداء من شخصٍ عزيزٍ عليّ. كما كنت أهوى جمع العملات القديمة والاحتفاظ بها، مثل القرش المصري أو ٥ ملاليم مصرية، وهي عملات لم تعد متداولة، أو حتى عملاتٍ من زمن المملكة المصرية. هذه أشياء كنت أتمنى لو أخذتها معي، بالإضافة إلى طرحة أمي التي كانت ترتديها للصلاة… تلك الطرحة الوردية التي كنت أشعر باتصالٍ روحيّ بها، أحببتُ دائمًا أن أحتضنها، ألمسها، وأضعها على وجهي دون أن أفكر في سبب تعلّقي بها! لكن عندما كان عليّ الهرب… الرحيل… جاء ذلك فجأة، كما يأتي الموت فجأة لشابٍّ بكامل صحته دون توقّع. في ليلةٍ باردةٍ طويلةٍ، تغيّر كلّ شيء، وكان عليّ أن أغادر فورًا من بورسعيد إلى القاهرة، ولم يكن هناك وقتٌ لأخذ أيّ شيء، ولا حتى الاقتراب من منزلنا، أو إلقاء نظرةٍ أخيرةٍ ولو من بعيد. خرجتُ ذلك اليوم من منزلنا وكأنه يومٌ عادي، على أمل العودة مساءً كأيّ يومٍ آخر، لكن القدر أراد غير ذلك… وحتى هذه اللحظة، لم أعد. لم يكن بالإمكان توديع أيّ شيء أو أيّ أحد، أو أخذ ما كنتُ أتمنى لو استطعت حمله معي. وددتُ لو...

عمرٌ يثقلُه الغياب

صورة
اليوم أتمُّ عامي الثلاثين. ثلاثة عقود مرّت، ولم يكن أيٌّ منها كما تمنّيت. لا احتفال، لا أمنيات، لا كعكة تحمل شموعًا تطفئها أنفاسي المتعبة. فقط عام آخر يضاف إلى أعوامي المنهكة، عام آخر يُراكم الغربة فوق الغربة، والوحدة فوق الوحدة. أنا الآن عالق. بلا جواز سفر، بلا وطن يحتضنني، بلا لغة تربطني بالناس من حولي. أعيش كأنني طيفٌ عابر، لا أثر له، لا اسم، لا مكان. مضى اثنا عشر عامًا منذ أن رأيت أمي، منذ أن شعرتُ بدفء يديها، منذ أن نظرتُ إلى عينيها دون أن يفصل بيننا شاشة باردة. اثنا عشر عامًا من الغياب الذي يأكل القلب، من الانتظار الذي لا ينتهي، من السؤال الذي لا إجابة له: متى تعود الأشياء إلى مكانها؟ أدخل عامي الحادي والثلاثين وأشعر أنني أقترب من شيء لا أعرفه، شيء يشبه النهاية. لم يبقَ الكثير، ليس من العمر، بل من الحلم، من الأمل، من القدرة على الاحتمال. أصبحتُ مرهقًا من التمني، من الترقب، من محاولة النجاة في عالم لا يفتح لي أبوابه. أشتاق لطفولتي، ليس لأنها كانت الأفضل، ولكن لأنها كانت بلا هذا الثقل. كنتُ سعيدًا حين لم أكن أفهم معنى الفقد، لم أكن أعرف كيف يسحقنا الغياب، كيف تلتهمنا المسافات، كيف ...