المشاركات

الرمال المتحركة تعيد تشكيل شبه الجزيرة العربية مع دخول اليمن مرحلة جديدة

صورة
غالبًا ما تتغير ديناميكيات القوى في شبه الجزيرة العربية تدريجيًا وبعيدًا عن أنظار الجمهور، حتى تتراكم تلك التحولات وتُنتج في نهاية المطاف تغييرًا واضحًا في المشهد الاستراتيجي. تمامًا كما تتحرك الكثبان باستمرار، ما يبدو ساكنًا يُعاد تشكيله تدريجيًا بفعل الريح، حبة تلو الأخرى. لسنوات، تم تأطير الحرب في اليمن كمعادلة ثابتة إلى حد كبير: صراع بالوكالة مترسّخ في فتور، وطوارئ إنسانية تفاقمت بتدخّل خارجي، وجغرافيا وطنية ممزقة بأجندات إقليمية متداخلة. لكن بنهاية عام 2025، تشكّل تحول هيكلي. لم يكن عاصفة قادمة من الغرب ولا همسة من عواصم بعيدة، بل عاصفة إقليمية صُنعت في مختبرات استراتيجية في الرياض وعُزّزت بالقدرات الصناعية لأنقرة. لم يُقلَب الطاولة الجيوسياسية فحسب؛ بل أُعيد بناؤها.  إعلان العزم السيادي استيقظت المكلا — المركز الاستراتيجي على ساحل حضرموت — على صوت يشير إلى تغيير حاسم في النظام الإقليمي. لم يكن إيقاع بحر العرب ، بل التأثير الدقيق لضربة عسكرية مستهدفة. في ميناء المدينة، بُطِلت شحنة تحتوي على أنظمة اتصالات متقدمة، ومكوّنات للطائرات المسيّرة المتخصّصة، ومعدات لوجستية مرتبطة بالم...

هتك العرض بين جدران المسجد وأسوار المدرسة حين تُغتال الطفولة وتُطمس العدالة

صورة
  في عامٍ واحد، صُدمت مصر بجريمتين مروّعتين: هتك عرض طفلة داخل حمام مسجد في نهار رمضان، وهتك عرض طفل في مدرسة الكرمة القبطية. كلاهما فعل إجرامي ضد براءة الأطفال، لكن ما حدث بعد الجريمتين كان أكثر فداحة من الجريمة نفسها: تحوّلت المأساة إلى فرصة لتضليل الرأي العام، وتصفية الحسابات الطائفية، والتلاعب بالدين، وسط صمت أو تواطؤ من الدولة، وتغييبٍ للعدالة. طفلة في حضرة الله.. جريمة في قلب المسجد أن يُرتكب هتك عرض في نهار رمضان، وفي مكان يُفترض أنه “مقدّس” مثل المسجد، فذلك ليس مجرد اعتداء على الجسد، بل على الرموز، على الأمان، على قدسية الأماكن التي كان يُفترض أن تحمي الأطفال لا أن تبتلعهم. جريمة هتك العرض في هذا المكان تحمل أبعادًا أخرى غير الجريمة نفسها، إذ تلطخ صورة المكان الذي يجب أن يكون ملاذًا للراحة الروحية والأمن الجسدي. الطفلة لم تُغتصب فقط، بل خذلتها المنظومة بأكملها: المكان الذي كان يُفترض به أن يحميها، والمجتمع الذي اختار الصمت، والدين الذي تم استخدامه لطمس الحقيقة بدلًا من الدفاع عن الضحية. مدرسة الكرمة.. من الجريمة إلى الفتنة الطائفية أما في مدرسة الكرمة، فقد وقع طفل ضحية لجري...

حين يخاف الإنسان من الوحدة.. من الثالوث الصيني إلى الإخوان المسلمين

صورة
  أحياناً يبدو العالم واسعاً جداً، إلى حدٍّ يجعل الإنسان يشعر أنه صغير لدرجة غير محتملة. مدن ضخمة، شوارع لا تحفظ الوجوه، دول تتكلم مع شعوبها بصوتٍ عالٍ ولكنها لا تسمع أحداً. وسط هذا الضجيج، يحاول الناس أن يجدوا مكاناً صغيراً يشعرون فيه أنهم مرئيون، أن أحداً يعرف أسماءهم، أن حياتهم ليست مرورة عابرة في زحام بلا ذاكرة. من هنا، من هذه الحاجة العميقة إلى الدفء، تولد الجماعات، سواء كانت عصابات في أقصى الشرق أو تنظيمات دينية وسياسية في شرقه الأدنى. تختلف الأسماء والرايات واللغات، لكن الشعور واحد: لا أحد يريد أن يعيش وحيداً. تخيّل شاباً صينياً جاء من قرية بعيدة إلى مدينة لا تنام. يعمل لساعات طويلة، يعود إلى غرفة صغيرة لا يتحدث فيها مع أحد. كل شيء يتحرك بسرعة أكبر من قدرته على الفهم. يكتشف فجأة أن هناك مجموعة تقول له: تعال، أنت واحد منا. نعرف اسمك، نقسم معك الخبز والخطر، نضع وشماً على جسدك فلا تعود مجهولاً. هكذا وُلدت عصابات الثالوث في عمق الحياة الصينية الحديثة: ليست فقط جريمة، بل محاولة بدائية للبحث عن معنى، عن أخوّة، عن سند في عالمٍ صلب لا يرحم الضعفاء. الجريمة تأتي لاحقاً؛ أما البداية ف...

‏بوذا لا يذهب إلى الحرب.. وأنا لا أملك تصريحا للعودة إلى البيت

صورة
‏الحرب، ليست فقط تلك التي تطلق فيها الطائرات صواريخها، ‏أو تحرك فيها الجيوش أساطيلها، بل تلك التي تتسرب بهدوء... ‏إلى الخبز، إلى الحلم، إلى تفاصيل الحياة الصغيرة، ‏فتجعلها... كأنك تعيش في غرفة بلا نوافذ. ‏في  أي حرب، يفترض أن يُطرح السؤال: من الذي انتصر؟ ‏لكننا هنا، في هذه البقعة من العالم ( الشرق الأوسط) ، لا نسأل هذا السؤال ‏لأننا نعلم أن المنتصر لا يرى، وأن الهزيمة تُوزع علينا نحن، بالتساوي. ‏إسرائيل وإيران تتبادلان القصف العناوين تلهث خلف كل صاروخ. ‏لكن أحدًا لا يسأل: ‏ماذا عن الذين لا يملكون حتى ثمن النزوح؟ ‏ماذا عن الذين لا يفهمون في السياسة...إلا أنها تؤلمهم؟ ‏في بلدي، لا تأتي الحرب بصوت الطائرات، بل بصوت الفواتير. ‏تراها في عيون الناس في السوق، حين ترتفع الأسعار بلا رحمة. ‏وتسمعها في جملة مكررة: "اصبر… الوطن في خطر." ‏لكنني لا أرى الخطر...إلا في أنني لا أجد دواءً لأبي، ‏ولا أمنًا لابني، ولا معنىً لليوم التالي. ‏أنا... في غربة قسرية. ‏لم أختر الرحيل، ولم يسمح لي بالعودة. ‏أسرتي هناك، خلف حدود لا تعترف بمحبة، ‏وأصدقائي... يتناقصون في الصور، كأن الزمن يمحوهم مني ببطء. ‏ا...

‏منع قافلة الصمود وخطف النشطاء اسئلة اولى بالرعاية لفهم الاستراتيجية المصرية ازاء غزة

صورة
‏في مشهد غير مسبوق اقدمت السلطات المصرية خلال الساعات الماضية على ترحيل عشرات النشطاء من جنسيات اوروبية ومغاربية كانوا في طريقهم الى معبر رفح ضمن قافلة الصمود الشعبية الداعمة لغزة وذلك بعد احتجازهم في مطار القاهرة او اقتحام اماكن اقامتهم. وبحسب شهود عيان جرت عمليات مداهمة لعدد من الفنادق جرى خلالها اعتقال نشطاء اوروبيين بعضهم اختطف من غرفهم دون اذن قضائي او تفسير قانوني وتم اقتيادهم الى جهة مجهولة ولا يزال مصيرهم مجهولا حتى لحظة كتابة هذه السطور. ‏هذا الحدث بتطوره الصادم لا يجب ان يعالج بوصفه مجرد تدبير امني بل باعتباره كاشفا عن بنية تفكير استراتيجية متكاملة تتعامل مع غزة لا كقضية وطنية او انسانية بل كخطر محتمل على الامن السياسي الداخلي يستوجب العزل والمراقبة والمنع. ومن هذا المنطلق تبرز امامنا جملة من الاسئلة الاولى بالرعاية وهي الاسئلة التي يجب طرحها اولا لانها تؤسس للفهم وتوجه التحليل وتفكك منطق الفعل السياسي لا مظاهره فقط. ‏1 ما الذي يجعل السلطات المصرية تتعامل مع نشطاء اوروبيين كانهم تهديد امني؟ ‏السؤال الجوهري هنا باي منطق يتم اقتحام فنادق سياحية وسط العاصمة وخطف اجانب لم يخالفوا...

حين تخنق القيم في الخندق: نقد سياسي لتجربة حماس في ضوء التاريخ والمأساة

صورة
“الحرية لا تساوي شيئا إذا لم تكن حرية الخطأ” بهذه الجملة لخوسيه أورتيغا إي غاسيت، الفيلسوف الإسباني، يمكن أن نفتح جرحا لا يزال يتسع في قلب غزة. فحين تُختزل الحرية في وجه واحد، وتُقدَّم المقاومة كدين لا يُناقَش، وتُرفع راية الصمت فوق كل تساؤل، نكون قد انتقلنا من ساحة التحرر إلى ساحة الطغيان المقنّع بالشعارات. حماس.. من المشروع إلى السلطة دخلت حماس المشهد السياسي عبر بوابة المقاومة المسلحة، ففرضت نفسها بالقوة الميدانية والشعبية كممثل للفلسطينيين في غزة. بعد فوزها في انتخابات 2006، وانقلاب 2007 على السلطة الفلسطينية، أصبحت حماس الحاكم الفعلي للقطاع. ولعقود تالية، لم تفلح أي جهة محلية أو خارجية في كسر هذا الواقع، لا بالحرب، ولا بالحصار، ولا بالوساطة. لكن المسألة لا تكمن في من يحكم غزة، بل كيف يحكمها؟ وكيف يمكن لحركة تحرر أن تنجو من مصيدة السلطة؟ في سجون التاريخ، كثير من الحركات الثورية سقطت في لحظة تسلمها مقاليد الحكم. الثورة الفرنسية أكلت أبناءها، والبلاشفة خنقوا حرية التعبير باسم البروليتاريا، والثورات العربية انقلبت على شعاراتها بعد لحظات من النشوة الأولى. كان التاريخ واضحا: المقاومة ال...

إيران على مائدة القاهرة.. هل تبيّض مصر صفحة نظام الملالي؟

صورة
في مشهد بدا لافتًا بقدر ما كان مستفزًا، ظهر وزير خارجية النظام الإيراني في قلب العاصمة المصرية، متصدرًا مأدبة عشاء سياسية وإعلامية، يجلس إلى جواره عمرو موسى، الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، ومحمد العرابي، وزير الخارجية المصري الأسبق. لقاء لم يحمل طابعًا بروتوكوليًا عابرًا، بل بدت فيه الرسالة واضحة ومباشرة: مصر تفتح صفحة جديدة مع طهران، دون شروط، دون مراجعات، ودون محاسبة على عقود من الفوضى التي غذّاها النظام الإيراني في العالم العربي. لم تُذكر كلمة واحدة في اللقاء عن دعم إيران الممنهج للميليشيات الطائفية، ولا عن تدخلاتها في سوريا والعراق واليمن ولبنان، ولا عن قمع الحريات في الداخل الإيراني ، ولا عن إعدامات المعارضين، ولا عن مشروعها الثيوقراطي المغلق الذي لا يؤمن بالديمقراطية أو حقوق الإنسان. صمتٌ كامل عن كل ذلك، وكأن ذاكرة السياسة قد مُسحت، أو كأن ما جرى ويجري لا يعني شيئًا. اللافت أن الشخصيتين المصريتين الحاضرتين عمرو موسى والعرابي – لا تمثلان شخصيات عابرة في المجال العام المصري والعربي، بل لهما باع طويل في الدفاع عن مفاهيم الدولة المدنية والاعتدال السياسي. لذلك، تطرح الصورة ...